الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
110
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
أبهج فيزيد الاتصال بين القرينين . والذكر ، هنا : ذكر اللسان . وتقدم عند قوله تعالى : يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ في سورة البقرة [ 40 ] . أعني بيان العلل والتوجيهات وكشف الغوامض . وإحداث الذكر : إنشاؤه وإبرازه ، كقول ذي الرمة : أحدثنا لخالقها شكرا وقرأ نافع فَلا تَسْئَلْنِي - بالهمز وبفتح اللام وتشديد النون - على أنه مضارع سأل المهموز مقترنا بنون التوكيد الخفيفة المدغمة في نون الوقاية وبإثبات ياء المتكلم . وقرأ ابن عامر مثله ، لكن بحذف ياء المتكلم . وقرأ البقية تَسْئَلْنِي - بالهمز وسكون اللام وتخفيف النون - . وأثبتوا ياء المتكلم . [ 71 ] [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 71 ] فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها قالَ أَ خَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً ( 71 ) أي فعقب تلك المحاورة أنهما انطلقا . والانطلاق : الذهاب والمشي ، مشتق من الإطلاق وهو ضد التقييد ، لأن الدابة إذا حلّ عقالها مشت . فأصله مطاوع أطلقه . و ( حتى ) غاية للانطلاق . أي إلى أن ركبا في السفينة . و ( حتى ) ابتدائية ، وفي الكلام إيجاز دل عليه قوله : إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ . أصل الكلام : حتى استأجرا سفينة فركباها فلما ركبا في السفينة خرقها . وتعريف السَّفِينَةِ تعريف العهد الذهني ، مثل التعريف في قوله تعالى : وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ [ يوسف : 13 ] . و إِذا ظرف للزمان الماضي هنا ، وليست متضمنة معنى الشرط . وهذا التوقيت يؤذن بأخذه في خرق السفينة حين ركوبهما . وفي ذلك ما يشير إلى أن الركوب فيها كان لأجل خرقها لأن الشيء المقصود يبادر به قاصده لأنه يكون قد دبره وارتآه من قبل . وبني نظم الكلام على تقديم الظرف على عامله للدلالة على أن الخرق وقع بمجرد الركوب في السفينة ، لأن في تقديم الظرف اهتماما به ، فيدل على أن وقت الركوب مقصود لإيقاع الفعل فيه .